حالة العرب قبل الإسلام في الحكم، والنكاح، والطلاق، والبيوع والمعاملات، والمواريث والوصايا، وكيف عالجها الإسلام وتعامل معها. |
موطن العرب الأصلي في الإقليم الواقع في الجنوب الغربي من آسيا، وقد سُمي هذا الإقليم بجزيرة العرب أو شبه جزيرة العرب نسبة إليهم لأنه موطنهم الأصلي، وقد ذهب البعض إلى أن العرب ومن حولهم يرجعون إلى أصل واحد، ويرجع المعنيون بالأنساب العرب إلى شعبين كبيرين هما: القحطانيون وهم عرب الجنوب ومنهم اليمانيون، والعدنانيون من نسل إسماعيل بن إبراهيم وهم عرب الشمال ومنهم أهل الحجاز. وقد سميت الفترة التي سبقت النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بالجاهلية، ونُسب لها العرب فقيل: عرب الجاهلية.
حالة العرب الاجتماعية:
كان العرب قبل الإسلام في الغالب يعيشون عيشة البداوة والقليل منهم سكنوا الأصقاع والقرى والمدن المتحضرة كمكة واليمن ويثرب (المدينة) وعاشوا عيشة استقرار وهؤلاء هم الحضر، ومن عادات البدو عزوفهم عن التجارة والزراعة والصناعة واحتقارهم لها واعتبارها من المهن الخسيسة التي لا تليق بهم ولهذا لم يزاولوها.
أساس نظامهم الاجتماعي وبعض أوصافه:
كان العرب قبائل متفرقة وعلى أساس القبيلة وما يترتب عليها من شيوع العصبية القبلية بين أفرادها قام نظامهم الاجتماعي والقبيلة ليست دولة ولا كياناً سياسياً وإنما هي وحدة اجتماعية تقوم على صلة القربى ورابطة الدم ويخضع أفرادها خضوعاً اختيارياً إلى رئيسهم بناءً على ما تربطه بهم من رابطة النسب ولما كان يشتهر به عادة من الشجاعة والكرم ولولادته في بيت الرياسة، وقد كان من نتائج العصبية القبلية تفاخرهم بالأنساب وتناصرهم على أشد ما يكون التناصر في الحق والباطل، والتناصر القبلي ما كان يقف عند حد أفراد القبيلة المشتركين في النسب ورابطة الدم بل كان يشمل أيضاً المحسوبين على القبيلة بسبب التبني أو الحلف والموالاة أو بسبب الجوار، وكان القتال كثيراً بين القبائل وساعد على كثرة القتال بين القبائل أن العرف القائم آنذاك أقر الغزو والنهب والسلب واعتبرها أموراً طبيعية وضرباً من ضروب الشجاعة كما أقر قيام القبيلة بطلب الثأر لأحد أفرادها من القبيلة الأخرى، وكثرة الحروب بين القبائل جعل العرب يكبرون شأن الرجل ويستصغرون شأن المرأة لأن الرجل أقدر على القتال منها، وقد ترتب على هذه النظرة للمرأة أن انحطت منزلتها وهضمت حقوقها وحرمت من الميراث وحتى شاع بين بعض القبائل وأد البنات وهن في قيد الحياة خوفاً من وقوعهن بأيدي العدو سبايا حرب، وبالرغم مما كان عند العرب من الصفات الذميمة كالغزو ووأد البنات والعصبية القبلية فقد كانت عندهم صفات حميدة وخلال جميلة مثل الكرم والشجاعة والوفاء وإباء الضيم والأنفة والصدق وحماية الجار والعفو عند المقدرة كما كان عندهم إكرام الضيف.
أثر الإسلام في حالتهم الاجتماعية:
لما جاء الإسلام أحدث تغييراً جذرياً في المجتمع العربي، فقد دعا الإسلام إلى نبذ العصبية القبلية واجتثاث جذورها فقال لهم: (دعوها فإنها منتنة) وبيَّن لهم أن جعل الناس شعوباً وقبائل إنما هو للتعارف لا للتفاخر ولا للتعصب للجنس أو القبيلة وأن قيمة الإنسان إنما تكون بالتقوى، والحق أن العصبية القبلية والجنس وإقامة المجتمع على هذا الأساس لا يتفق والإسلام لأن الإسلام بطبيعته دعوة عالمية جاء إلى الناس أجمعين فيجب أن يقوم المجتمع على أساس يتفق وهذا العموم والعقيدة الإسلامية هي الأساس المعقول الذي يتفق وعموم الإسلام لأنه يسع الناس جميعاً ولا يضيق بأحد بخلاف الجنس فإنه بطبيعته أساس ضيق لا يسع الناس جميعاً ولهذا فقد جعلت الشريعة الإسلامية الإسلام هو الأساس الذي يقوم عليه المجتمع واعتبرت المسلمين إخوة ﭽإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌﭼ واتخاذ الإسلام أساساً للمجتمع هو الشيء المنطقي المقبول لأنه أساس مرن يسع جميع الخلق إذ بمقدور كل إنسان أن يعتنق الإسلام فيصير من عداد المجتمع ومن يأبى فإنه يبقى عضواً في المجتمع الإسلامي ومواطناً في دولة الإسلام ويحمل جنسيتها فينعم بعدل الإسلام، وقد ترتب على هدم العصبية القبلية زوال التناصر بالباطل بين أفراد القبيلة لأن الإسلام حرم التعاون على الباطل والبغي قال تعالى: ﭽوَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﭼ ، ومع هذا فقد أبقى الإسلام التعاون والتناصر بين أفراد القبيلة في الخير ومن مظاهر هذا التعاون ما أوجبته الشريعة الإسلامية من وجوب الدية في القتل الخطأ على عصبة الجاني من رجال قبيلته، وأبطل الإسلام عادة النهب والسلب وشن الغارات والاعتداء على الآخرين فقد جاء في القرآن ﭽوَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَﭼ ، وأنكر الإسلام عادة وأد البنات وحرَّمها فلأنثى كالذكر أهل لأن يصدر عنها الخير ومن ثم فهي جديرة بالإكرام والعناية وهي كالرجل مخاطبة بالأحكام ومكلفة بما كلف به الرجل فقد جعل الإسلام لها من الحقوق مثل ما للرجل إلا في حق واحد وهو حق رياسة الأسرة, فرياسة الأسرة التي أوتيها الرجل وما تستلزمه من الإنفاق على الأسرة والعناية بها وطاعة الزوجة لزوجها أمر طبيعي لأن الحياة الزوجية حياة اجتماعية وشركة دائمة مدى الحياة في الأصل وكل شركة واجتماع لا بد له من رئيس يكون المرجع في حسم الخلافات لئلا تختل والرجل أحق بهذه الرياسة من المرأة لما أوتيه من قوة بدنية وخبرة اكتسبها من معاملاته وتجاربه هي أكثر مما عند المرأة عادة، وقد أقرَّ الإسلام ما عند العرب من كريم الصفات بعد أن شذب بعضها.
ويخلص لنا مما تقدم أن الشريعة الإسلامية أبقت من عادات العرب الجاهلية ما كان صالحاً منها ومتفقاً مع مبادئها وأهدافها وألغت ما كان فاسداً منها ولا يتفق مع مثلها ومبادئها فأعطت للصالح حقه من الإبقاء كما أعطت للفاسد حقه من الإلغاء.
أوضاع العرب في النكاح:
عرف عرب الجاهلية أنواعاً من النكاح منها النكاح المعتاد بين الناس اليوم (يخطب الرجل إلى الرجل موليته فيصدقها ثم ينكحها) وقد أقرَّ الإسلام هذا النوع من النكاح ووضع له حدوداً وأصولاً وهناك أنكحة فاسدة أنكرتها الشريعة الإسلامية ومنها:
- نكاح الشغار: وهو أن يزوج الرجل ابنته أو من تحت ولايته لآخر على أن يزوجه هذا الأخير بنته أو من تحت ولايته وليس بينهما صداق.
- نكاح المقت: وهو زواج الابن امرأة أبيه بعد وفاته إن لم تكن أمه وهذا كان من عادة الجاهلية وأبطله الإسلام فجاء في القرآن: ﮁوَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًاﭼ
- الجمع بين الأختين وتعدد الزوجات: فقد كان من عادة أهل الجاهلية أن يتزوجوا الأختين فنهاهم الإسلام عن ذلك يقول تعالى في سياق تعداد المحرمات ﭽوَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَﭼ كما أن تعدد الزوجات بلا حدٍ كان مألوفاً عند أهل الجاهلية فقيد الإسلام التعدد بأربع زوجات وأباحه عند الحاجة وأمن الجور في المعاملة وإلا فواحدة لمن خاف عدم القدرة على العدل والقيام بحقوق الزوجية.
- المحرمات من النساء في النكاح: كان عند العرب تحريم الأمهات والبنات والعمات والخالات فيحرم على الرجل نكاح واحدة منهن كما كان يحرم على المرأة نكاح أحد أصولها أو فروعها أو أخوالها أو أعمامها وهو ما أقرَّه الإسلام كما جعلوا التبني مانعاً من الزواج كالبنوة الحقيقية وهو ما أبطله الإسلام قال تعالى في إبطال التبني ﭽ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﭼ
- المهر: كان الولي في الجاهلية يأخذ مهر موليته فنهى الإسلام عن ذلك قال تعالى: ﭽ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةًﭼ
فرق النكاح: ويُقصد بها ما تنحل به عقدة النكاح فينقطع بها ما بين الزوجين من علاقة.
- الطلاق: وهو في الإسلام حل الرابطة الزوجية بألفاظ مخصوصة، وقد عرفه العرب في الجاهلية إلا أنه لم يكن له عندهم عدد محدود فيستطع الرجل بتطليق زوجته ومراجعتها في العدة ومن ثم تكرار الأمر مضارة المرأة وتعليقها فلا هي زوجة يقوم بحقها ولا مطلقة تستطيع أن تنكح غيره، والشريعة الإسلامية عندما أقرت مبدأ الطلاق إلا أنها لم تجعله بلا حد كالجاهلية بل جعلت حق الزوج في الطلاق ثلاث تطليقات وبتمامها تتم الفرقة بين الزوجين.
- الخلع: هو وسيلة من وسائل حل الرابطة الزوجية ومعناه أن الزوجة أو أهلها يدفعون إلى الزوج مقداراً من المال نظير أن يطلقها الزوج، وقد أقرَّه الإسلام وبين الفقهاء شروطه وأحكامه.
- الإيلاء: وهو حلف الزوج ألا يعاشر زوجته وكان الإيلاء عند أهل الجاهلية طلاقاً يقع بعد انتهاء مدته وهي عندهم سنة وربما جعلوها سنتين، ومع أن الإسلام أقرَّ الإيلاء إلا أنه وقَّت له أربعة أشهر إذا لم يعاشر الزوج زوجته وقعت الفرقة بينهما.
- الظهار: كان في الجاهلية بمنزلة الطلاق وهو أن يقول الزوج لزوجته أنت عليَّ كظهر أمي وقد أبطل الإسلام اعتباره طلاقاً وأوجب فيه الكفارة فلا يقرب الزوج زوجته إلا بعد القيام بالكفارة وهي تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
آثار الفرقة: العدة وهي المدة التي تتربصها المرأة عقب وقوع الفرقة مع الزوج فلا تتزوج حتى تنقضي هذه المدة وكانت موجودة عند العرب في الجاهلية في حالة الطلاق ووفاة الزوج فكانت عدة الوفاة سنة كاملة أما الإسلام الذي أقرَّ العدة فإنه حددها بثلاثة قروء لذوات الحيض وثلاثة أشهر للمرأة التي لا تحيض وجعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام ووضع الحمل عدة الحامل ولا عدة على المرأة قبل الدخول بها.
الوصية:
الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت وقد أجازها العرب للوارث وغيره دون تحديد لمقدارها، وقد أقرَّ الإسلام الوصية في حدود ثلث تركة الموصي وما زاد موقوف على إجازة الورثة، وجعلها نافذة لغير الوارث أما الوارث فموقوفة على إجازة بقية الورثة.
الميراث:
كان الميراث معروفاً في الجاهلية بالنسب والسبب فالذين يستحقون الميراث بالنسب أي القرابة هم الأبناء الكبار الذين يقاتلون بحيث كانوا يعطون الميراث الأكبر فالأكبر فإن لم يوجد أبناء كان المستحق أقرب أولياء المتوفى من العصبة كالأخ والعم ولم يكونوا يورثون النساء ولا الصغار ذكوراً وإناثاً؛ أما التوارث بالسبب فيتضمن التوارث بالتبني والحلف والمعاقدة، وقد منع الإسلام الميراث بالتبني وجعل الميراث بسبب القرابة وأدخل النساء والصغار في الميراث بل واعتبرت الزوجية من أسباب الإرث، كما جعلت العتق من أسبابه فالمعتق يرث عتيقه.
المعاملات: عرف العرب معاملات عدة قبل الإسلام منها ما أقرَّه الإسلام ومنها ما أبطله:
الشركة: كان هذا العقد معروفاً عند أهل الجاهلية وأقرَّها الإسلام ووضع الفقهاء شروط هذا العقد وبينوا آثاره.
عقد المضاربة: ويسمى بالقراض ومعناه أن يقدم ذو المال ماله إلى من يتجر به على جزء معين من الربح، وهذا العقد الذي وجد في الجاهلية أقرَّه الإسلام.
القرض والربا: فعرف أهل الجاهلية عقد القرض وكانوا يجرونه بالربا فيتداينون إلى أجل بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدل الأجل فحرَّم الإسلام التعامل بالربا بأنواعه.
الرهن: عرف العرب قبل الإسلام الرهن الحيازي فيجوز أن يمتلك المرتهن المرهون إذا حلَّ أجل الدين ولم يدفعه المدين ويتم هذا التملك بالشرط أو بالعرف وقد نهى الإسلام عن ذلك فجاء في الحديث (لا يُغلق الرهن).
بيع المنابذة والملامسة وبيع الحصاة: فهذه البياعات التي كان يتعامل بها أهل الجاهلية فكان أحدهم إذا لمس السلعة أو ألقى الثوب إلى صاحبه أو وضع عليه حصاة وجب البيع وقد أبطل الإسلام هذه البيوع.
بيع النجش: وهو أن يزايد رجل في ثمن سلعة لا يرغب شراءها وإنما يهدف لرفع قيمتها بتواطئ مع البائع أو بدون علمه وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
بيع المدين: فقد أجاز العرف الجاهلي أن يبيع الدائن المدين استيفاءً للدين فجاء الإسلام وحرَّم تلك العادة لأن الدين يتعلق بذمة المدين ويستحق الدائن بهذا التعلق المطالبة فقط.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق