الفقه الإسلامي، تعريفه، وبيان خصائصه، وأدواره، وسمات كلِّ دور، والمدارس التي ظهرت في العصور المختلفة، وأبرز الفقهاء الذين اشتهروا في هذه الأدوار، وطرف من جهودهم في سبيل نشر الفقه والنهوض به، وبيان أشهر المذاهب الفقهية المنقرضة.

 


 الفقه الإسلامي، تعريفه، وبيان خصائصه، وأدواره، وسمات كلِّ دور، والمدارس التي ظهرت في العصور المختلفة، وأبرز الفقهاء الذين اشتهروا في هذه الأدوار، وطرف من جهودهم في سبيل نشر الفقه والنهوض به، وبيان أشهر المذاهب الفقهية المنقرضة.

 

تعريف الفقه: لغة: هو العلم بالشيء والفهم له ، كما يعني إدراك غرض المتكلم من كلامه .

اصطلاحاً: 1) أطلق لفظ الفقه في الاصطلاح الشرعي على جميع الأحكام الدينية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية سواءً أكانت هذه الأحكام متعلقة بأمور العقيدة أو بالأخلاق بالعبادات أو بالمعاملات. وبهذا المعنى الاصطلاحي لكلمة الفقه، جاء تعريف الإمام أبي حنيفة للفقه الإسلامي بقوله: "هو معرفة النفس ما لها وما عليها" فيشمل هذا التعريف الأحكام الاعتقادية كوجوب الإيمان بالله تعالى، والأحكام الوجدانية "الأخلاقية" كوجوب الصدق، والأحكام العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات كوجوب الصيام وإباحة البيع.

2) ثم طرأ تغير على مفهوم الفقه في الاصطلاح ، فصار يطلق على "العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة كالوجوب والحظر –أي الحرمة- والإباحة والندب والكراهة وكون العقد صحيحاً أو فاسداً أو باطلاً، وكون العبادة قضاءً أو أداءً وأمثاله".

والأحكام الشرعية العملية التي تثبت لأفعال المكلفين ، أي تتعلق بأفعالهم التي هي من العبادات والمعاملات هي :

1- الوجوب: ومعنى هذا أن الفعل الذي تعلق به هذا الحكم يلزم المكلف القيام به على وجه الإلزام، ويسمى هذا الفعل بالواجب، فالواجب هو ما طلب الشارع من المكلف فعله على وجه الحتم والإلزام كالصلاة والوفاء بالعقود.

2- الحرمة: ومعنى هذا الحكم أن الفعل الذي تعلق به يلزم المكلف تركه على وجه الحتم والإلزام، ويسمى هذا الفعل المطلوب تركه إلزاما بالمحرم، فالمحرم إذن هو ما طلب الشارع تركه على وجه الإلزام كالزنا والسرقة.

3- الندب: أي طلب الشارع القيام بالفعل على وجه التفضيل والترجيح لا الإلزام، ويسمى الفعل الذي تعلق به هذا الحكم بالمندوب، فالمندوب ما طلب الشارع فعله على وجه التفضيل لا الإلزام ، مثل كتابة الدين حفظا لحقوق الدائن.

4- الكراهة: طلب الشارع ترك الفعل على وجه الترجيح لا الإلزام، ويسمى الفعل الذي تعلق به هذا الحكم بالمكروه، فالمكروه ما طلب الشارع تركه على وجه الترجيح لا الإلزام ، مثل إيقاع الطلاق بلا مبرر كاف.

5- الإباحة: ويعني هذا الحكم تخيير المكلف بين القيام بالفعل الذي تعلق به هذا الحكم وبين تركه، ويسمى الفعل المخير بين تركه وفعله بالمباح مثل الأكل والشرب والقيام والقعود ومباشرة سائر التصرفات الشرعية.

علاقة الفقه بالشريعة:

الشريعة تشتمل على جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالعقيدة أو الأخلاق أو المعاملات؛ أما الفقه، وهو معرفة الأحكام الشرعية، فإنه يعتمد على نصوص الشريعة، أي على القرآن والسنة النبوية، كما يعتمد على المصادر التي شهدت لها الشريعة بالصحة والاعتبار كمصدر الإجماع والقياس، فلولا أن الشريعة شهدت لهذه المصادر بالحجية والاعتبار لما أمكن الفقيه أن يستمد منها الأحكام الشرعية .. من ذلك نقول بأن الشريعة الإسلامية، وهي الأحكام المنزلة من الله تعالى على نبيه r في القرآن أو السنة النبوية، تقوم على الوحي الإلهي، فهي تشريع إلهي، لا مجال فيه لرأي الإنسان، وتحرم مخالفته.

أما الفقه الإسلامي فليس كله كذلك، وبيان هذا أن الأحكام الفقهية نوعان:

1) النوع الأول: ما يضعف فيه جانب الرأي والاجتهاد أو ينعدم كمعرفة الأحكام المعروفة من الدين بالضرورة والتي لا يجهلها أحد، كوجوب الصلاة وحرمة الزنا أو التي تستفاد من النص الشرعي رأساً بلا أي كلفة أو بحث أو اجتهاد لظهور هذه الأحكام من النصوص الشرعية مثل حرمة نكاح الأمهات التي ورد بها النص الشرعي " وهذه الأحكام الفقهية تعتبر جزءاً من الشريعة الإسلامية، أي تعتبر تشريعا إلهياً ومن ثم لا تجوز مخالفته.

2) النوع الثاني: من الأحكام الفقهية، هو ما يغلب عليه جانب الرأي والاجتهاد، وهذا النوع من الأحكام لا يعتبر جزءاً من الشريعة الإسلامية بمعناها الاصطلاحي، أي لا يعتبر من قبيل التشريع الإلهي الذي لا تجوز مخالفته، بل تسوغ هذه المخالفة ما دامت مستندة إلى دليل أقوى من دليل الرأي الفقهي المتروك أو مستندة إلى اجتهاد أقرب إلى روح النصوص، لأن المخالفة المجردة من ذلك تعتبر من قبيل إتباع الهوى، والهوى لا يجوز أن يكون مستنداً للأحكام، وهذا النوع من الأحكام أكثر من النوع الأول لكثرة الوقائع وتجددها، ومع هذا فإن الفقه الإسلامي بمجموعه يبقى مصبوغاً بالصبغة الدينية لأنه قائم على الشريعة الإسلامية ومبادئها وقواعدها وداخل في نطاقها العام ودائر في فلكها، ولهذا فإن آراء الفقهاء الاجتهادية تعتبر سائغة ومحل تقدير واحترام المسلمين.

خصائص الفقه الإسلامي:

1) الفقه الإسلامي قام على أساس الشريعة الإسلامية، ومن ثم فله صبغة دينية تدعو إلى احترامه وعدم مخالفته والجزاء فيه دنيوي وأخروي كما قلنا في خصائص الشريعة الإسلامية، لأن هذا الجزاء وصف ثابت للأحكام الشرعية، وله صفة الشمول ولكن على نحو أقل مما للشريعة، وأكثر مما للقوانين الوضعية، فهو ينظم المعاملات والعبادات ومن هنا كان نظاماً للدين والدنيا، وجانب الأخلاق مراعىً فيه تمام الرعاية، والجانب الديني عنصر أصيل في جميع تنظيماته المدنية، وعلى أساسه يكتسب الفعل من العبادات أو المعاملات وصف الحل أو الحرمة على النحو الذي بيناه في كلامنا عن الشريعة وخصائصها.

2) ويمتاز الفقه الإسلامي بمرونته وقابليته للبقاء بسبب وفائه بحاجات الناس ومصالحهم المشروعة، وهذه الخصيصة بالحقيقة دليل على صلاحية الشريعة الإسلامية للعموم والبقاء، لأن الفقه الإسلامي ليس إلا وجهاً من وجوه الفهم والتفسير والبيان لنصوص الشريعة وأحكامها، وتطبيقاً لمبادئها وقواعدها على جزئيات الوقائع والأحداث حسب الأزمنة والأمكنة ومصالح الناس.

أدوار الفقه:

قسمنا أدوار الفقه إلى ستة أدوار, وهذه الأدوار هي:

  1. عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.
  2. عصر الخلفاء الراشدين.
  3. عصر ما بعد الخلفاء الراشدين إلى أوائل القرن الثاني للهجرة (قبيل سقوط الدولة الأموية).
  4. من أوائل القرن الثاني الهجري إلى منتصف القرن الرابع الهجري.
  5. من نهاية الدور السابق إلى سقوط بغداد عام 656هـ.
  6. من سقوط بغداد إلى وقتنا الحاضر.

الدور الأول: التشريع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم:

يعتبر هذا العصر أهم العصور الفقهية على الإطلاق لأن التشريع الأساسي الذي هو أساس الفقه في جميع أدواره تم في هذا العصر، فقد كان الفقه في هذا العصر هو فقه الوحي نشأة هذا الدور.. بدأ قبل الهجرة بثلاثة عشر عاماً، وانتهى بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة.

التشريع المكي:

لبث النبي عليه الصلاة والسلام ما يقرب من ثلاث عشرة سنة في مكة وهي المدة من بعثته إلى هجرته، وقد اتجه  الوحي في هذه الفترة ناحية العقيدة والأخلاق ولم يتعرض إلى الأحكام العملية إلا قليلاً وبشكل كلي غالباً لعدم حاجة المسلمين لها آنذاك ثم لأن العقيدة هي الأساس الأول لكل ما تأتي به الشريعة من أحكام وتفصيلات فلا بد من تنقيتها من الشوائب وجعلها قائمة على الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر.

التشريع المدني:

أذن الله لنبيه بالهجرة للمدينة التي أسلم بعض أهلها فأصبحت المدينة مركزاً لدولة الإسلام وأقيم فيها تنظيم اجتماعي وسياسي على أساس الدين الجديد وكان أول رئيس لها النبي الكريم من ذلك ظهرت الحاجة للتشريعات العملية التي تقوم عليها أمور المجتمع الإسلامي فاتجه التشريع للنواحي العملية المتصلة بحياة الجماعة أو الأفراد، واتخذ التشريع المدني أحد الوجهين الآتيين:

1. إما حوادث تقتضي الحكم من الشارع ، أو حوادث تعرض للمسلمين وتستوجب سؤال النبي عن حكمها، فكان النبي ينتظر الوحي من الكتاب أو السنة، وفي أحيان يجتهد كما في قضية أسرى بدر، ومن الأحكام التي شرعت بناءاً على حوادث وقعت قول الله: ﭽ ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶﭷﭼ حيث علَّق أحد المسلمين زواجه بمشركة على موافقة النبيr، ومن الأحكام التي نزلت جواباً عن سؤال قوله تعالى ﭽﯣﯤ  ﯥ   ﯦﯧ  ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ  ﯮ   ﯯ   ﯰ  ﯱﯲ ﭼ.

2. ورود الأحكام غير مسبوقة بحادثة أو سؤال بل رأى المشرع حلول وقت تشريعها كتشريع الزكاة.

 مميزات التشريع في هذا الدور:

أولاً: التدرج في التشريع:

فالقرآن الكريم والسنة النبوية ما نزلت الأحكام فيها دفعة واحدة بل إن الأحكام تنزل جواباً عن سؤال أو تبياناً لحكم حادثة معينة أو بناءً على تقدير الشارع على أن حكماً معينا قد آن أوان تشريعه فهذا يجعل التشريع موصوف بالتدرج وهذا مما تميزت به الشريعة في عصر النبوة أن الأحكام متدرجة.

والحكمة من التدرج: أن هذا النهج يجعل الأحكام أخف على النفس مما لو نزلت دفعة واحدة فذلك أدعى للقبول والامتثال وكما أن في التدرج تيسير للمسلمين لمعرفة الأحكام وحفظها والإحاطة بها.

والتدرج في التشريع أنواع:

1- تدرج زمني: الأحكام ما كانت تنزل في زمن واحد وإنما كان منها ما هو متقدم ومنها متأخر فأحكام الدين الإسلامي ما شرعت دفعة واحدة وإنما استغرق تشريعها طيلة مدة النبوة.

2- تدرج في أنواع ما شرع من أحكام:

فالمسلمين لم يكلفوا بالتكليفات الكثيرة في بداية الإسلام بل أخذوا بالرفق واليسر فجاء التكليف في البداية قليلاً ليكون كل تكليف تمهيداً لقبول ما بعده، مثل: الصلاة شرعت في أول الأمر صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ثم جعلت خمس صلوات في اليوم والليلة.

3- تدرج بذكر الأحكام بشكل كلي ثم يأتي التفصيل:فالتشريع المكي جاء بشكل كلي في الأحكام العملية ثم جاء التشريع المدني مفصلاً للكل.

ثانياً: رفع الحرج:

فالمتتبع لأحكام الشريعة يجد نصوصاً صريحة تدل على أن الشارع ما يريد بعباده إلا التيسير والتخفيف ولا يريد بأحكامه التضييق والتشديد ﭽﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ   ﯛ  ﯜ  ﯝ   ﯞ ﭼ ، وما خير النبي بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فرفع الحرج أصل مقطوع به في الشريعة ومن مظاهره ما يلي:

أ‌- اعتبار المرض والسفر والإكراه والخطأ والنسيان أعذاراً  لتخفيف الأحكام وتشريع الرخص.

ب‌- قلة التكاليف في الشريعة بحيث لم تأت الشريعة بتكاليف كثيرة ترهق المكلفين فإن الحرج مرفوع.

ثالثاً: النسخ:

معناه: رفع الحكم السابق بحكم لاحق، والنسخ وقع لبعض الأحكام وقد وجد في هذا العصر فقط حيث أن المبلغ عن ربه قد توفي وبوفاته تم شرع الله فلا نسخ بعد عصر الرسالة ولا تبديل ولا تغيير, وسببه:رعاية المصلحة ورفع الحرج والضيق.

مثاله:1- كانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس ثم نقلت إلى الكعبة.

2- عدة المتوفى عنها زوجها كانت حولا لقوله تعالى: ﭽﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ  ﭰ   ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶﭼ ، ثم جعلت العدة أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى: ﭽ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ   ﭘ  ﭙ    ﭚﭛ ﭼ.

الاجتهاد في هذا العصر وأثره في التشريع:

مصدر التشريع في هذا العصر هو وحي الله في قرآنه أو على لسان رسوله r في السنة، ولكن ثبت لنا أن النبي r اجتهد وأذن لأصحابه بالاجتهاد وأقرهم على بعض اجتهادهم ومن ذلك: اجتهاد النبي r في أخذ الفداء من أسرى بدر حيث لم يشرع حكم الأسرى في ذلك الحين ولم ينزل به الوحي. ومن اجتهاد الصحابة أنهم اختلفوا لما أمرهم الرسول rبالتوجه لبني قريظة بقوله (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) فحان وقت العصر فصلى البعض بتأويل أمر الرسول r بأنه أراد السرعة في المسير لا تأخير الصلاة، ولم يصل البعض إلا بعد وصوله بني قريظة ولم ينكر الرسول r على أيَّ منهما.

فالاجتهاد ثابت وواقع في هذا العصر ولكنه لم يكن مصدراً للتشريع مستقلاً عن الوحي وبيانه أن اجتهاد النبي rإن كان عن إلهام من الله فهو وحي بالمعنى وهو من قبيل السنة، وإن اجتهاد النبي r ليس عن إلهام من الله فإن الله لا يقره على اجتهاد لم يوافق الصواب كما في أسرى بدر؛ أما اجتهاد الصحابة فمرده إلى النبي r فإن أقرَّه صار تشريعاً للأمة فلا يعتبر اجتهاد الصحابة في هذا العصر مصدراً للتشريع.

  الدور الثاني: عصر الخلفاء الراشدين:

نشأته.. بداية بعد وفاة النبي r، وبتولي الصحابي أبي بكر t مقاليد الخلافة، وانتهى هذا الدور بعد ثلاثين عاماً، وهي فترة حكم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي y.

وقد بدأ الفقه بالنمو والاتساع في هذا الدور ذلك أن الفقهاء واجهوا بعد وفاة النبي rوقائع لم يكن لهم عهد بها في عهد النبي rفكان لا بد من معرفة حكم الله فيها كما أن الحروب التي وقعت وما نتج عنها من قضايا وعلاقات بين المسلمين وبين غيرهم في أثناء الحرب وبعدها أدت إلى كثرة المسائل الفقهية، والفتوحات الإسلامية وما ترتب عليها من امتداد سلطان الإسلام على بلاد كثيرة واتصال المسلمين بأهل تلك البلاد التي لكل منها أعرافه وعاداته وتقاليده ونظمه كل ذلك أدى إلى ظهور مسائل جديدة تستلزم معرفة حكم الشرع فيها، وقد قام فقهاء الصحابة بمهمة التعرف على أحكام هذه المسائل الجديدة فاجتهدوا على أساس قواعد الشريعة ومبادئها العامة ومقاصدها العليا وهكذا ظهر الاجتهاد بالرأي كمصدر مستقل للفقه بعد أن لم يكن له وجود في عصر النبي r والاجتهاد بما أنه يعتمد على الرأي فلا بد أن يتبعه الخلاف وهذا ما حصل  في هذا الدور وما كان له وجود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فاجتهد الفقهاء واختلفوا كما اجتهدوا واتفقوا والاتفاق هو الإجماع وهكذا ظهر الإجماع في هذا الدور كمصدر للفقه وما كان له وجود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

طريقتهم في التعرف على الأحكام:

كان فقهاء الصحابة إذا نزلت النازلة التمسوا حكمها في كتاب الله، فإن لم يجدوا الحكم  فيه تحولوا إلى السنة فإن لم يجدوا الحكم تحولوا إلى الرأي وقضوا بما أداهم إليه اجتهادهم، وكان الاجتهاد في زمن أبي بكر وعمر اجتهاداً جماعياً أي يأخذ شكل الشورى، وكما وقع الاجتهاد الجماعي وقع أيضاً الاجتهاد الفردي من الخليفة نفسه ومن غيره  إلا أن الاجتهاد الجماعي كان هو الغالب في عصر الخليفة الأول والثاني وكان أكثر ما يكون في المسائل العامة كما في مسألة تقسيم أرض السواد في العراق على الفاتحين. وقد وردت عن فقهاء الصحابة في هذا العصر آثار كثيرة تدل على أن نهجهم في استنباط الأحكام هو ما ذكرناه وأنهم كانوا يأخذون بالرأي حيث لا نص في المسألة وأن الإجماع كان معتبراً عندهم من ذلك أن أبا بكر كان يجتهد برأيه ويقول هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني واستغفر الله.أما ما روي عن فقهاء الصحابة من ذم الرأي فهو محمول على ذم الرأي الفاسد أو الرأي فيما ورد فيه النص، أو الرأي بالنسبة لغير القادر عليه.

البرهان على صحة طريقتهم في التعرف على الأحكام:

أولاً: فيما يخص الرجوع إلى الكتاب والسنة وردت آيات كثيرة توجب إتباع ما جاء فيها.

ثانياً: وأما الاجتهاد بالرأي فيدل عليه أن النبي r نفسه اجتهد فيما لم ينزل عليه فيه وحي وأنه rأذن لصحابته في أن يجتهدوا كما في حديث معاذ, كما أن تعليل الأحكام في القرآن وفي السنة يشعر أن تشريع الأحكام مقصود به تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم فإذا طرأت مسألة لا حكم لها في الكتاب والسنة واستنبط حكمها في ضوء المصلحة فإن هذا الاستنباط يكون موافقاً لاتجاه الشارع في تشريعه الأحكام.

المقصود بالرأي:

لم يتحدد الرأي في هذا العصر بمعنى واحد لا يشاركه فيه غيره، بل كان شاملاً لما سمي فيما بعد بأسماء خاصة كالقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع.

التفاتهم إلى تعليل الأحكام ورعاية المصلحة:

مع التنوع في وجوه الرأي عند الفقهاء فإن المتتبع لاجتهادهم يلحظ أنه بأنواعه  قام على أساس نظرهم إلى علل الأحكام ورعايتهم المصلحة ودرء المفسدة وعلى هذا الأساس لم يطبقوا بعض الأحكام المنصوص عليها لزوال علتها أو لعدم تحقق شروط تطبيق الحكم وإن كان قد يرى ظاهرياً أن هذه الشروط متحققة، فمن الأحكام التي وردت بها نصوص ولم تطبق ما يأتي:

أ‌- سهم المؤلفة قلوبهم:

فجاء في القرآن النص على إعطاء المؤلفة قلوبهم سهماً من الزكاة وكان العطاء لهؤلاء لتقوية ضعيف الإيمان أو اتقاء شر غير المسلم أو استمالته للإسلام وهذه هي علة الحكم بإعطائهم يوم كان المسلمون قلة وفي حالة ضعف وبحاجة إلى تكثير عددهم واتقاء شر مخالفيهم وفي زمن عمر لم يعط المؤلفة قلوبهم من الزكاة وهذا الفعل من عمر لم يعني إلغاء النص أو نسخه وإنما يعني عدم تطبيقه لعدم توافر شروط التطبيق وتوجيه عمل عمر أن المسلمين في زمانه كثر عددهم وقويت شوكتهم وصارت لهم دولة قوية مرهوبة الجانب.

ب- ضوال الإبل: جاء في الحديث عن زيد بن خالد أنه سأل النبي rعن ضالة الإبل فقال النبي r (ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها .. ) فهذا الحكم كان في عهد النبي  rوأبي بكر وعمر ولكن في زمن عثمان أمر بأخذها وبيعها وحفظ أثمانها إلى أن يظهر صاحبها وفي زمن علي جعل لضوال الإبل بيتاً خاصاً يحبسها فيه ويطعمها ويسقيها من بيت مال المسلمين إلى أن يظهر صاحبها ويثبت أنها له  ولا شك أن ما فعله عثمان وعلي مرده ملاحظة  المصلحة التي شرع الحكم من أجلها وهي حفظ الإبل الضالة لصاحبها.

الأحكام المستنبطة على أساس جلب المصلحة ودفع المفسدة:

من الأحكام الجديدة التي استنبطوها بناءً على تحقيق مصلحة أو درء مفسدة ما يأتي:

توريث من طلقها زوجها بائناً وهو في مرض الموت سداً لذريعة الإضرار بالزوجة.

التدوين في هذا العصر:

في هذا العصر تم تدوين القرآن في مجموعة واحدة أي في مصحف واحد بعد أن كان موزعاً غير مجموع، أما السنة فلم تدون في هذا العصر وظلت محفوظة في صدور الصحابة بلا تدوين وقد روي أن عمر هم بكتابتها إلا أنه ترك ذلك.

من خصائص هذا الدور:

1.  جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه خشية ضياعه على يد زيد بن ثابت.

2.  كتبت المصاحف على القراءات المتوترة في عهد عثمان رضي الله عنه، وأرسلت إلى الأمصار.

3.  سلك الصحابة في هذا الدور مسلك الاجتهاد، في حال عدم وجود البيان في القرآن والسنة وعدم وجود الإجماع والقياس.

4.  عدم التوسع في الاستنباط؛ فلم يكونوا يتوسعون في تقرير المسائل والإجابة عنها، بل كانوا يكرهون ذلك.

الدور الثالث: 

يبدأ هذا الدور من نهاية عصر الخلفاء الراشدين أي من سنة 41هـ إلى أوائل القرن الثاني للهجرة أي قبيل سقوط الدولة الأموية وقد سار الفقه في هذا الدور على نهج الصحابة في الفقه.

إلا أن التحديث بالسنة شاع في هذا العصر وازداد لأسباب سنذكرها والاجتهاد بالشورى وما يتبعه من إجماع على رأي واحد أو على الأقل تقليل الاختلاف لم يعد ممكناً في هذا الدور لتفرق الفقهاء في الأمصار وظهور بعض الفرق كالخوارج وغيرهم واتساع رقعة البلاد الإسلامية وكثرة النوازل أدى إلى كثرة المسائل والاختلاف فيها، وأخيراً فإن الفقهاء في هذا العصر لم يكونوا سواءً في نزعتهم الفقهية فكان منهم المتهيب من الرأي والجريء فيه إلا أن ظهور هاتين النزعتين في هذا الدور كان على نحو أشد وأقوى وأوضح من الدور السابق مما أدى إلى ظهور مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي .

وعلى هذا فيمكننا إجمال التطورات في الفقه واتجاهاته في هذا الدور بأمور ثلاثة:

(أولاً): اتساع دائرة الفقه وكثرة الخلاف في مسائله.

(ثانياً): شيوع رواية الحديث وأثره في الفقه وغيره.

(ثالثاً): ظهور مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي.

اتساع دائرة الفقه وكثرة الخلاف في مسائله:

دائرة الفقه تتسع بازدياد الحوادث والوقائع وقد ازدادت الحوادث في هذا العصر وهذا هو شأن الحياة فأحداثها بازدياد مستمر وتطور وتغير، يضاف إلى ذلك اتساع رقعة البلاد الإسلامية وهذه البلاد تختلف فيما بينها بالعادات والتقاليد والأحوال الاجتماعية والاقتصادية وكل هذه الأمور تدعو إلى تنوع الوقائع وبالتالي كثرة المسائل الفقهية واتساع دائرتها، هذا من جهة اتساع دائرة الفقه .أما الاختلاف في مسائله فيرجع إلى أسباب كثيرة:

أولاً: انتشار الفقهاء من الصحابة والتابعين في الأمصار الإسلامية واستيطانهم فيها.

ثانياً: أن الاجتهاد بالشورى الذي يؤدي إلى الاتفاق على رأي واحد أو تقريب وجهات النظر لم يعد ممكناً في هذا الدور لتفرق الفقهاء والأمصار وتعذر المراجعة والمذاكرة والاتصال فيما بينهم.

ثالثاً: أن البلاد التي نزلها الفقهاء كانت مختلفة فيما بينها في العادات والتقاليد ونظم المعاملات وأحوال الاجتماع والاقتصاد ونحو ذلك.

رابعاً: أن أهل كل بلد تلقوا العلم عن فقهائهم ووثقوا بهم لمعرفتهم بهم ومخالطتهم لهم وقد دعاهم ذلك إلى التعلق بفتاويهم والوثوق بمروياتهم والسير على منهاجهم.

شيوع رواية الحديث, سببه وأثره:

كان التحديث عن رسول الله rفي عهد الصحابة قليلاً أما في هذا الدور فقد شاعت رواية الحديث وكثرت, وسبب ذلك تفرق الفقهاء في البلاد وتجدد الحوادث وضرورة البحث عن أحكامها فكان ذلك داعياً إلى السؤال عن السنة وقيام الحافظين لها بالتحديث واستنباط الأحكام منها.

وكان من أثر شيوع رواية الحديث ما يأتي:

أ‌- اتساع الأحكام وكثرة الاستنباط من السنة.

ب‌- كثرة وضع الحديث من قبل المفسدين.

ت‌- وقد ترتب على وضع الحديث عرقلة سير الفقه وتعسير طريقة الفقهاء وإبطائهم في عملهم.

ث‌- ولكن مكيدة الوضاعين لم تمر كما قدروا ولم تنخدع الأمة بما وضعوا ولفقوا فقد قامت ثلة من أعيان علماء الإسلام للكشف عن أولئك الوضاعين وإظهار كذبهم

ظهور مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي:

قلنا أن الاجتهاد بالرأي في عصر الخلفاء الراشدين كان يقوم على أساس النظر إلى علل الأحكام ومراعاة المصلحة وأن الفقهاء كانوا فريقين:

- فريق يتهيب من الرأي ولا يلجأ إليه إلا قليلاً.

- وفريق لا يتهيب من الرأي بل يلجأ إليه كلما وجد ضرورة لذلك، وفي هذا العصر اشتد ظهور هاتين النزعتين.

أساس الخلاف بين المدرستين:

وليس الخلاف بين المدرستين في الاحتجاج بالسنة, فهذا لا خلاف فيه وإنما الخلاف في أمرين: الأول/ الأخذ بالرأي، والثاني/ في تفريع المسائل بناءً على الرأي.

الأمر الأول- الأخذ بالرأي:

فأهل الحديث يقفون عند النصوص والآثار والمعاني المتبادرة منها ولا يميلون إلى الرأي ولا يأخذون به إلا اضطراراً وربما توقف بعضهم عن الإفتاء بالرأي فيما لا نص فيه.

أما فقهاء مدرسة الرأي فما كانوا يتهيبون من الفتوى بالرأي مادام لا نص في الكتاب ولا في السنة فيما يجتهدون فيه وحجتهم في ذلك أن أحكام الشريعة معقولة المعنى وأنها اشتملت على مصالح العباد, وبنيت على أساس تحقيق تلك المصالح فلابد من البحث عن تلك العلل والمصالح التي شرعت الأحكام من أجلها حتى يمكن للفقيه استنباط الأحكام الجديدة على ضوء هذه المصالح.

الأمر الثاني-تفريع المسائل:

كان فقهاء مدرسة الحديث لا يفرعون المسائل ولا يفرضون الوقائع ثم يبحثون عن أحكامها,ولهذا كان فقههم واقعياً.

أما فقهاء مدرسة الرأي فما كانوا يقفون عند المسائل الواقعية يستنبطون لها الأحكام وإنما كانوا يفرضون مسائل لم تقع ويستخرجون لها الأحكام بآرائهم وقد بلغ هذا الاتجاه مداه في مدرسة أبي حنيفة.

الدور الرابع:

يبدأ هذا الدور من أوائل القرن الثاني الهجري ويمتد إلى منتصف القرن الرابع وقد نما الفقه في هذا الدور نمواً عظيماً، وفي هذا الدور ظهر نوابغ الفقهاء فالمجتهدون العظام وأسسوا مذاهبهم الفقهية وفي هذا الدور أيضا دون الفقه وضبطت قواعده وكما دون الفقه دونت السنة أيضا تدويناً شاملاً مع بيان الصحيح منها والضعيف، ولهذه الظواهر كلها سمي هذا الدور بأسماء مختلفة فسمي بعصر الفقه الذهبي، أو بعصر ازدهار الفقه, أو بعصر التدوين, أو بعصر المجتهدين.

ازدهار الفقه وأسبابه: ترجع أسباب ازدهار الفقه في هذا العصر إلى:

أولاً: عناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء.

ثانياً: اتساع البلاد الإسلامية .

وفي هذه البلاد الواسعة عادات وتقاليد مختلفة متباينة, تجب مراعاتها ما دامت لا تخالف نصوص الشريعة, فاختلفت الاجتهادات بناءً على اختلاف العادات والتقاليد،.

ثالثاً: ظهور المجتهدين الكبار ذوي الملكات الفقهية الراسخة.

رابعاً: تدوين السنة..

ظهور المذاهب الإسلامية:

وفي هذا الدور ظهرت المذاهب الإسلامية وتميزت معالمها ووضحت اتجاهاتها وصار لكل مذهب أتباع كثيرون ينشرون آراءه وينهجون نهجه كمذهب أبي حنيفة.

الدور الخامس:

يبدأ هذا الدور من نهاية الدور الرابع إلى سقوط بغداد سنة 656 هـ وهو دور ركود الفقه، والفقهاء جنحوا إلى التقليد والتزام مذاهب معينة لا يحيدون عنها ولا يميلون حتى وصل بهم الحال إلى الإفتاء بسد باب الاجتهاد.

جنوح الفقهاء إلى التقليد:

الأصل في الفقيه أن يكون مجتهداً مستقلاً لا يتقيد بمذهب معين.

ويمكننا رد أسباب فشو التقليد بين الفقهاء وشيوعه فيما بينهم إلا القليل النادر إلى جملة أسباب منها:

أولاً: ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين.

ثانياً: أن المذاهب الإسلامية دونت تدوينا كاملاً مع تشذيب مسائلها وتنظيمها.

ثالثاً: ضعف الثقة بالنفس والتهيب من الاجتهاد.

سد باب الاجتهاد:

ولما كثرت ادعاءات الاجتهاد ممن ليسوا أهله وخشي الفقهاء من عبث هؤلاء الأدعياء وإفسادهم دين الناس بالفتاوى الباطلة التي لا تقوم على علم أو فقه, أفتوا بسد باب الاجتهاد دفعاً لهذا الفساد وحفظاً لدين الناس.

عمل الفقهاء في هذا العصر:

إلا أن الفقهاء في هذا العصر, وبالرغم من إيثارهم التقليد, فقد قاموا بأعمال نافعة, من ذلك:

أ‌- تعليل الأحكام المنقولة عن أئمتهم.

ب‌- استخلاص قواعد الاستنباط من فروع المذهب.

ت‌- الترجيح بين الأقوال المنقولة عن الإمام.

ث‌- تنظيم فقه المذهب.

الدور السادس:

وفي هذا الدور السادس الذي يبدأ من سقوط بغداد في القرن السابع الهجري ويمتد إلى وقتنا الحاضر ,لم ينهض الفقه من كبوته ولم يغير الفقهاء نهجهم, فالتقليد قد فشا وشاع بينهم.

ومع هذا فقد وجد أفراد هنا وهناك لم يرضوا بالتقليد, ونادوا بالاجتهاد المطلق وتلمس الأحكام من الكتاب والسنة دون تقيد بمذهب معين ومن هؤلاء ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلا أن هؤلاء كانوا قلة ولم يسلم بعضهم من النقد ولهذا فإن الطابع العام للفقه والفقهاء في هذا الدور هو التقليد.

المتون والشروح والحواشي:

اتجه فقهاء هذا الدور إلى التأليف, وكان الغالب عليه الاختصار حتى وصل إلى درجة الإخلال بالمعنى وخفاء المقصود, وصارت العبارات أشبه شيء بالألغاز هذه المختصرات والتي سميت بالمتون احتاجت إلى شروح توضح معانيها فقام مؤلفوها أو غيرهم بشرحها فظهرت الشروح بجانب المتون ثم ظهرت بجانب الشروح الحواشي وهي تعليقات وملاحظات على الشروح.

كتب الفتاوى:

إلا أن التأليف لم يقتصر على ما ذكرنا, فقد وجدت كتب (الفتاوى) وهي أجوبة لما كان يسأل الناس عنه الفقهاء في مسائل الحياة العملية, ثم تجمع هذه الأجوبة من قبل أصحابها أو من قبل آخرين وتنظم وترتب حسب أبواب الفقه وتكتب عادة على شكل سؤال وجواب وفي بعض الأحيان لا يكتب السؤال كما أن الأجوبة (أي الفتاوى) غالباً ما يذكر معها أدلتها من نصوص المذهب الذي يتبعه الفقيه المفتي, أو تذكر الأدلة من الكتاب والسنة وغيرهما دون تقيد بأدلة المذهب الواحد, كما نجد هذا النهج واضحاً في فتاوى ابن تيمية.

التقنين:

ظل الفقه غير مقنن طيلة العصور الماضية وحتى أواخر القرن الماضي, فكان الحكام والقضاة يرجعون إلى كتب الفقه المختلفة لمعرفة الأحكام الفقهية وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري تنبهت الدولة العثمانية ورأت الحاجة ماسة إلى تقنين أحكام المعاملات فألفت لجنة من كبار الفقهاء برئاسة وزير العدل لتخير أحكام المعاملات من الفقه الحنفي وسميت ب(مجلة الأحكام العدلية)، وبعد هذا التقنين المهم صدرت عدة تقنينات في مصر والعراق وتونس ومراكش وغيرها.

ويلاحظ على هذه التقنينات المختلفة أنها لم تتقيد بمذهب معين وإنما أخذت أحكامها من مختلف المذاهب الإسلامية عدا مجلة الأحكام العدلية إذ تقيدت بالفقه الحنفي، وهذا الاتجاه حسن على شرط أن لا يؤخذ بقول شاذ لا دليل عليه.

بيان أشهر المذاهب الفقهية المنقرضة:

من المذاهب ما اندرس بموت صاحبه أو بعده بقليل وأشهرها ما يلي:

الأوزاعي: وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن محمد الأوزاعي ولد سنة 88هـ بالشام وتوفي ببيروت سنة 157هـ كان عالماً بالحديث كارهاً للرأي فهو من فقهاء مدرسة الحديث انتشر مذهبه بالشام ولكنه اندرس ولم يبق من ذكره إلا بعض أقوال الأوزاعي تذكر في كتب الخلاف.

الثوري: وهو أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الكوفي ولد بالكوفة سنة 97هـ وتوفي بالبصرة سنة 161هـ من فقهاء الحديث اشتهر بالورع ولم يبق مذهبه طويلاً لقلة أتباعه فندثر بعد موته.

الليث بن سعد: فقيه مصري ولد في مصر وتوفي فيها سنة 175هـ كان فقيهاً لا يقل عن مالك والشافعي إلا أن مذهبه لم يتهيأ له البقاء والاستمرار لعدم تدوين مذهبه أولاً ولقلة أتباعه الذين ينشرونه ثانياً.

داود الظاهري: هو أبو سليمان داود بن علي الأصفهاني صاحب المذهب الظاهري ولد سنة 200هـ وتوفي سنة 270هـ اتبع الشافعي أول الأمر ثم استقل بمذهب خاص يقوم على الأخذ بظاهر الكتاب والسنة وعدم الأخذ بالقياس أو بغيره من وجوه الرأي وقد انتشر المذهب ثم اندثر حتى انتهى أمره في القرن الثامن الهجري.

ابن جرير الطبري: هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ تلقى فقه مالك والشافعي وأهل العراق ولكنه لم يقلد أحداً منهم بل استقل بمذهب مستقل فكان مجتهداً لا يتقيد إلا بالدليل وصار له أتباع ولكن مذهبه انقطع وانتهى بعد وفاته بمدة وجيزة.

 

 

 

 

   الموضوع الخامس :

دراسة مختصرة عن المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة؛ تشمل: التعريف بالمذهب، وإمامه، وأشهر تلاميذه الذين نقلوا عنه المذهب، وبيان مصادره وأصوله، وأشهر المؤلفات فيه، ومصطلحاته ورموزه، مع التركيز في ذلك على المذهب الحنبلي. 

 

  المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة:

لقد كان لعلمائنا المجتهدين الأثر البالغ في ازدهار الفقه الإسلامي ونمائه وتقدمه، فقاموا بتأسيس مدارس فقهية انضوى تحت لوائها فقهاء كبار وصار لها أتباع كثيرون، وقد سميت تلك المدارس الفقهية بالمذاهب الإسلامية أو الفقهية واقترنت بأسماء مؤسسيها.

 

أول المذاهب: المذهب الحنفي:

ترجمة الإمام أبو حنيفة: هو النعمان بن ثابت الكوفي مولداً والفارسي أصلاً ولد سنة 80 هـ وتوفي سنة 150 هـ في بغداد ودفن فيها.

كان في أول عهده يحترف تجارة الخز وقد عرف فيها بصدق المعاملة والنفرة من الغش والمماكسة ، ثم تحول إلى طلب العلم فنال حظاً من علم الكلام والحديث والفقه، إلا أن ميله كان إلى الفقه فانصرف إليه، وأكثر من الاختلاف إلى حلقات الفقه وملازمة أهله، وكان أبرز شيوخه وأكثرهم أثراً في نهجه الفقهي شيخه حماد بن أبي سليمان فقيه أهل الرأي بالعراق الذي تلقى فقهه عن فقيه رأي كبير أيضاً وهو علقمة بن قيس النخعي، وعلقمة أخذ الفقه عن عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل المعروف بالفقه والرأي، فلا عجب إذن إذا نحا أبو حنيفة منحى أهل الرأي ومال إليه.

أبو حنيفة زعيم أهل الرأي:

اشتهرت مدرسة الكوفة بالرأي وبلغت ذروة شهرتها بالرأي والقياس في زمن أبي حنيفة حتى عد حامل لواء الرأي والقياس في زمانه بلا منازع، وقد أدى به الإكثار من القياس إلى الإكثار من الفقه التقديري فما كان يقف عند المسائل الواقعة يستنبط لها الأحكام وإنما كان يستخرج العلل من النصوص ويفترض المسائل ويطبق عليها أقيسته ويعطيها أحكاماً واحدة ما دامت مشتركة في العلة، وكما أكثر من القياس حتى قرن به اسمه أكثر أيضا من الفقه التقديري حتى قرن باسمه فهو إمام القياسيين وزعيم أهل الفقه التقديري في زمانه.

أبو حنيفة والحديث:

كان أبو حنيفة أقل رواية من غيره في الحديث لأنه كان يشترط شروطاً ثقيلة للتثبت من صحة الحديث نظراً لفشو الكذب في العراق وكثرة الوضاعين، أما تركه للحديث وتقديم القياس فهذا مرده إلى أن الحديث لم يبلغه أو أن الحديث بلغه ولم يثبت عنده فتركه وأخذ بالقياس ولا شك أن مخالفة الحديث لعدم صحته في نظر المجتهد لا يعد مخالفة للحديث أو تقديماً للقياس عليه.

طريقته في التدريس:

كان أبو حنيفة يعرض على تلاميذه المسائل الفقهية وما يعرض عليه من قضايا فيدلي كل واحد برأيه حولها ويجري النقاش فيما بينهم حول ما أبدوه من الآراء فإذا ما انتهوا إلى رأي واحد أملاه عليهم أو دونه أحد التلاميذ وربما بقي الخلاف بين التلاميذ وأستاذهم ويدون الرأي مع ذكر ما فيه من خلاف فمذهب أبي حنيفة بدأ منذ نشأته على شكل مذهب جماعي يقوم على الشورى وتبادل الآراء ومناقشتها وهذا بخلاف طريقة الإمام مالك إذ يملي المسائل وأحكامها على تلاميذه ولا ينهج معهم نهج أبي حنيفة فلا يناقشوه ولا يجادلوه فيما يقول، وهكذا تكونت شخصيات تلاميذ أبي حنيفة في حياته وفي ظل توجيهاته ورباهم على النظر والبحث ونمى فيهم الاجتهاد وهم في دور التلقي والتحصيل.

أصول استنباط أبي حنيفة:

أبو حنيفة لم يدون أصول استنباطه تفصيلاً ولا قواعده في البحث والاجتهاد وإنما قام فقهاء المذهب الحنفي الذين جاؤوا من بعده وبعد تلاميذه باستخلاص قواعده في الاستنباط من فروعه المنقولة عنه وهذا لا يدل على أن أبا حنيفة ما كان لديه مناهج للبحث والاجتهاد فإن عدم تدوين الشيء لا يدل على عدم وجوده كما أن الفقه يستلزم حتماً وجود مناهج وقواعد للاستنباط فلا فقه بلا مناهج وقواعد، وأبو حنيفة فقيه قطعاً، بل فقيه بمعنى الكلمة "والناس في الفقه عيال على أبي حنيفة" كما قال الشافعي، فلا بد إذن من قواعد يلتزم بها في اجتهاده وفقهه وأصول يسير بمقتضاها ولا يحيد عنها وهذا ما استخرجه فقهاء المذهب الحنفي من أقواله وآرائه المنقولة عنه، ومع هذا فقد نقلت عن أبي حنيفة أقوال تدل على الخطوط العريضة في منهجه في الاستنباط، والأدلة التي يستدل بها ، فمن ذلك أنه قال : آخذ بكتاب الله إذا وجدت فيه الحكم وإلا فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه آخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين وعطاء وسعيد بن المسيب (وهؤلاء مجتهدون من التابعين) فإني أجتهد كما اجتهدوا.

فهذا النقل عن أبي حنيفة يدل على أنه يرجع إلى كتاب الله فإن لم يجد الحكم فيه رجع إلى السنة فإن لم يجد فيها رجع إلى أقوال الصحابة فإن لم يجد الحكم فيها اجتهد، فالكتاب ثم السنة ثم أقوال الصحابة ثم الاجتهاد هذه هي مصادر الأحكام عند أبي حنيفة، والاجتهاد يدخل فيه القياس والاستحسان وقد برع فيهما وأجاد، كما أنه كان يأخذ بالإجماع وبالعرف كما نقل عنه أيضاً.

أصول مذهب الإمام أبي حنيفة:

1) القرآن الكريم.       2) السنة، فيعمل بالمتواتر أما خبر الواحد فيعمل به لكن بثلاثة شروط:

  • ألا يخالفه رواية فإن خالفه فالعمل بما رأى لا بما روى، لأنه يخالف مرويه إلا إذا أطلع على قادح مستند لدليل.
  • ألا يكون مما تعم به البلوى ،لأنه حينئذ يوجب إنتشاره أو توافره.
  • ألا يخالف القياس ،ولأن يكون في راويه فقيهاً فإن حدث العكس فلا.

فإذا توافرت هذه الشروط في خبر الواحد ولو ضعيف السند فإنه يأخذ به ويقدمه على القياس.

3)الإجماع.      4) أقوال الصحابة       5) القياس.        6) الاستصحاب.

تلاميذه وتدوين فقهه:

أبو حنيفة لم يدون فقهه وإنما نقلت لنا أقواله من قبل تلاميذه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وهؤلاء هم الذين نشروا مذهب أبي حنيفة ودونوا أقواله مختلطة بأقوالهم وآرائهم فما كانوا بالمقلدين وإنما كانوا مجتهدين منتسبين إلى مدرسة أبي حنيفة وملتزمين طريقته في الاستنباط والاجتهاد وكانوا يناقشون إمامهم في حياته وربما خالفوه، وقد حفظت لهم أقوال تخالف أقوال أستاذهم أبي حنيفة ولكن أقوالهم وأقواله نسبت جميعاً إلى مذهب أبي حنيفة باعتباره المؤسس الأول له، وأشهر تلاميذه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر بن الهذيل والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأشهر هؤلاء الأربعة وأبعدهم أثراً في نقل فقه أبي حنيفة ونشره أبو يوسف ومحمد.

أماكن انتشار المذهب الحنفي: لا يزال المذهب الحنفي حتى اليوم مذهب الفقهاء والقضاء الشرعي في البلاد التي خضعت للحكم العثماني كمصر وسوريا والأردن ولبنان والبلقان والقوقاز وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وآسيا الوسطى ومسلمي الهند والصين وأتباع المذهب الحنفي يشكلون ثلث المسلمين في العالم وعددهم تقريباً 180مليون نسمة.

مصطلحات المذهب الحنفي:

ظاهر الرواية: يراد به في الغالب قول أئمة الحنفية أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.

الإمام: أبو حنيفة إمام المذهب.

الشيخان: أبو حنيفة وأبو يوسف.

الصاحبان: أبو يوسف و محمد

أهم كتب الحنفية:

قسم علماء الحنفية المسائل الفقهية عن أبي حنيفة وأصحابه إلى قسمين:

القسم الأول: مسائل الأصول: وتسمى مسائل ظاهر الرواية وهي المسائل التي رويت عن أئمة المذهب الثلاثة وقد يلحق بهم بعض من أخذ عن الإمام مباشرة. وهي ستة كتب ألفها جميعاً محمد بن الحسن وهي: (المبسوط - الجامع الصغير - الجامع الكبير - السير الصغير - السير الكبير – الزيادات)، وسميت كتب ظاهر الرواية لأنها رويت لمحمد بن الحسن برواية الثقات.

القسم الثاني: مسائل النوادر : وهي المسائل المروية عن أصحاب المذهب غير كتب ظاهر الرواية ومن هذه الكتب الهارونيات والرقيات لمحمد بن الحسن.

أشهر كتب الحنفية المعتمدة: ( مختصر الغروي/لأبي حسن الغروي - شرح فتح القدير/ للكمال بن الهمام - مجمع البحرين/ لابن الساعاتي - كنز الدقائق/ للنفعي - الهداية / للريغناني).

ثاني المذاهب: مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله:

ترجمة الإمام مالك بن أنس: هو الإمام مالك بن أنس الأصبحي نسبة إلى ذي أصبح، وهي قبيلة باليمن، قدم أجداده إلى المدينة ومكثوا فيها، ولد سنة 93هـ، وظل فيها لم يتحول عنها إلا حاجاً حتى توفي فيها سنة 179 هـ.

تلقى الفقه والسنة عن شيوخ كثيرين منهم عبد الرحمن بن هرمز ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري, ولما كمل تحصيل مالك واستوعب فقه المدينة جلس للإفتاء والتدريس بعد أن شهد له بالأهلية سبعون رجلاً من أكابر الفقهاء وفيهم من أخذ عنهم الفقه وكان في أول حياته يدرس ويفتي في مسجد النبي r ولا يتحول عنه حتى إن الرشيد لما جاء للحج طلب منه أن يأتيه ليسمع منه ابناه الأمين والمأمون فأبى الإمام مالك، وقال: أعز الله أمير المؤمنين إن هذا العلم منكم خرج فإن أنتم أعززتموه عز وإن أنتم أذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي، فقال هارون الرشيد : صدقت وأمر ابنيه بالخروج إلى المسجد ليسمعا مع الناس، فقال مالك: بشرط أن لا يتخطيا رقاب الناس ويجلسا حيث ينتهي بهم المجلس فحضرا بهذا الشرط وهكذا كان الإمام عزيز النفس يعرف قدر العلم الذي يحمله ولا يتهافت على باب السلطان حتى لو طلبه السلطان.

أصول مذهبه:

جماع أصول مذهب مالك بناءً على ما صرح به أو أشار إليه أو استنبطه فقهاء المذهب من الفروع المنقولة عنه، والآراء المدونة في موطأه هي - أي هذه الأصول- كما صرح بها الإمام القرافي المالكي: الكتاب، السنة، الإجماع، إجماع أهل المدينة، القياس، قول الصحابي، المصلحة المرسلة، العرف والعادات، سد الذرائع، الاستحسان، الاستصحاب.

تلامذة الإمام مالك :

ومن التلاميذ وهم فقهاء كبار: عبد الله بن وهب لازم مالكا عشرين سنة ونشر مذهبه في مصر والمغرب وكان الإمام يجله ويحترمه حتى إنه كان يكتب إليه وهو في مصر ويلقبه بفقيه مصر، وعبد الرحمن بن القاسم المصري وكان له أثر بالغ في تدوين مذهب مالك.

تدوين فقه مالك:

دون فقه مالك ونقل عنه بطريقتين :

1)كتب ألفها مالك نفسه وأهمها "الموطأ" ، والموطأ أجل ما كتبه مالك جمع فيه ما صح عنده من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتصلة والمرسلة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وأقوال التابعين،.

2)كتب ألفت بواسطة تلاميذه فقد نشروا مذهبه ودون بعضهم آراءه وأقواله في "المدونة" ،

مصطلحات مذهب الإمام مالك:

المشهور: يعني مشهور مذهب مالك وفي ذلك إشعار بخلاف في المذهب والمعتمد أن المراد بـ المشهور ما كثر قائله.

قيل كذا أو أختلف مني كذا أو مني كذا قولان فأكثر: أي أن هناك اختلافاً في المذهب.

أماكن انتشار المذهب المالكي:

قد دخل مذهب الإمام مالك إلى مصر في حياته وأستمر العمل به في بعض الجهات في العبادات حتى الآن وكذلك تونس كما لا يزال معمولاً به وغالباً في الجزائر وطرابلس الغرب وموريتانيا ونيجيريا والسودان والكويت والبحرين وله أتباع أيضاً في البلاد الإسلامية.

أبرز الكتب المعتمدة عند المالكية:

1)  الموطأ, للإمام مالك.

2)  المدونة.

3) مواهب الجليل للحطاب.

4) الذخيرة للقرافي.

ثالث المذاهب: مذهب الإمام الشافعي:

ترجمة الإمام الشافعي: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، يلتقي نسبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، ولد في غزة سنة 150 هـ وتوفي في مصر سنة 204 هـ، نشأ في مكة وتفقه على مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة حتى أذن له بالإفتاء والشافعي ابن خمس عشرة سنة، ثم ارتحل الشافعي إلى المدينة ولقي الإمام مالكاً وسمع منه الموطأ ورواه عنه وتفقه عليه ولازمه حتى مات سنة 179 هـ، ثم ارتحل إلى اليمن فالتقى هناك بعمر بن أبي سلمة صاحب الإمام الأوزاعي فأخذ عنه فقه شيخه، كما التقى بيحيى بن حسان صاحب الليث بن سعد فقيه مصر فأخذ عنه فقه هذا الإمام الكبير، واستقر به المقام في مصر وأخذ يدرس ويفتي ويصنف ويملي على تلاميذه حتى وافاه الأجل سنة 204 هـ عن 55 سنة.

أصول مذهبه:

يعتبر الشافعي أول من صنف في أصول الفقه ورسالته التي ألفها في هذا العلم تعتبر أول مصنف فيه وصل إلينا وعلى هذا يكاد ينعقد الإجماع، ومن رسالته الأصولية هذه ومما كتبه في "الأم" تتبين لنا أصوله في الاستنباط ومسالكه في الاجتهاد، فهو يأخذ بالكتاب والسنة، أما الحديث المرسل فما كان يحتج به إلا إذا كان من مراسيل كبار التابعين كسعيد بن المسيب وبشرط أن تتوافر فيه شروط خاصة، وبعد الكتاب والسنة يحتج بالإجماع ثم بأقوال الصحابة يتخير منها ما هو الأقرب إلى الكتاب والسنة فإن لم يتبين القرب أخذ بأقوال الخلفاء الراشدين ورجحها على أقوال غيرهم، ثم بعد ذلك يحتج بالقياس، هذه أصول الشافعي ، ولهذا فقد أنكر الاستدلال بالاستحسان أو غيره وعده تشريعاً بالهوى، كما أنكر الاستدلال بالمصلحة المرسلة وبعمل أهل المدينة.

تدوين الفقه الشافعي ونقله:

لقد تم نقل فقه الشافعي بطريقتين:

1) الكتب التي كتبها الشافعي نفسه وأملاها على تلاميذه وأشهر ما كتب وأملى كتاب "الرسالة" وهي أبحاث في أصول الفقه، والكتاب الثاني هو "الأم" وهو كتاب فقه عظيم بليغ الأسلوب فيه عرض لأقواله مع الأدلة ومناقشة أقوال الفقهاء الآخرين بأسلوب علمي رصين، وقد رواه عنه تلميذه الربيع بن سليمان المرادي.

2) تلامذته، وهؤلاء كثيرون فمنهم الحسن بن محمد المعروف بالزعفراني، وإسماعيل بن يحيى المزني وهو أذكى تلاميذه ولازم الشافعي ، ومنهم الربيع بن سليمان المرادي روى كتاب الأم عن الشافعي وكتب نسخة منه في حياة الشافعي

والمذهب الشافعي منتشر في مصر وأندونيسيا وعدن ويوجد أيضا في العراق وكذا في الباكستان

الكتب المعتمدة عند الشافعية: ( الرسالة/ للشافعي، الأم/ للشافعي، مختصر المزني، الحاوي الكبير/ للماوردي، غاية المطلب في دراسة المذهب/ للجويني، روضة المطالب/ للنووي، الشرح الكبير/ للرافعي ).

مصطلحات المذهب:

الجديد: هو ما قاله الشافعي في مصر تصنيفاً أو إفتاءً ورواته هم :البوطي والمزني والربيع المرادي وحرملة.

القديم: الإمام أحمد وأبو ثور والكرابيسي وقد رجع الشافعي عنه ولم يحل الإفتاء به وأفتى الأصحاب به في نحو 17مسألة.

وإذا كان في المسألة قديم وجديد: فالجديد هو المعمول به إلا في مسائل يسيرة نحو 17مسألة أتى فيها بالقديم.

الشيخان: هما الرافعي والنووي.

رابع المذاهب: مذهب الحنابلة:

ترجمة الإمام أحمد بن حنبل: هو أبو عبد الله أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني ، ولد ببغداد سنة164هـ وتوفي فيها سنة 241هـ وله من العمر 77 سنة.

رحل لطلب العلم إلى مكة والمدينة والشام واليمن وغيرها من الأقطار والبلدان، أخذ الإمام أحمد بن حنبل العلم عن كثير من علماء الفقه والحديث كالقاضي أبي يوسف وهيثم بن بشير "أبي حازم الوسطي" والشافعي ويحي بن معين وعبدالرزاق بن همام وسفيان بن عيينة ويحي بن القطان والوليد بن مسلم وعبدالرحمن بن مهدي ثم أصبح مجتهداً مستقلاً ذا مذهب خاص به، وقد فاق أقرانه في السنة وحفظها وتمييز صحيحها من سقيمها فكان عالم السنة وإمامها في زمانه بحق بلا منازع ومسنده المعروف بمسند الإمام أحمد بن حنبل احتوى على أكثر من أربعين ألف حديث، ومع أنه كان عالماً في السنة متبحراً فيها فقد كان فقيهاً دقيق الفقه حتى قال الشافعي فيه يوم خرج إلى مصر: خرجت من بغداد فما خلفت فيها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه من أحمد بن حنبل، وقد امتحن بالقول بخلق القرآن من قبل المأمون فأبى أن يقول ما أراده فآذاه وحبسه، وتلك خطيئة كبيرة من المأمون لأن إكراه الناس على مثل هذه البدعة لا يجوز في شرع الله ولكن هذا الذي وقع وكان.

أصول مذهبه:

بنى الإمام أحمد فقهه على خمسة أصول:

1)  النص من الكتاب أو السنة، فإذا وجد النص لم يلتفت إلى ما خالفه ولا إلى من خالفه كائناً من كان، فالسنة عنده أجل من أن تعارض بآراء الرجال ولو كانت سنة آحاد ولو كان مخالفها من كبار المجتهدين والفقهاء، ولم يقدم على الحديث الصحيح عمل أهل المدينة ولا غيرهم ولا رأياً ولا قياساً ولا قول صاحب ولا عدم العلم بالمخالف الذي يسميه الناس إجماعاً، وهو في هذا النهج كالشافعي.

2)  فتوى الصحابي الذي لا يعرف لها مخالف، فكان يأخذ بها ولا يسمي ذلك إجماعاً.

3)  إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة.

4)  الأخذ بالحديث المرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن دليل آخر يدفعه وهو الذي رجحه على القياس، والحديث الضعيف عنده من أنواع الحديث الصحيح، وليس هو الحديث الباطل أو المنكر أو الذي في روايته من لا يوثق به، فإذا لم يجد ما يعارض الحديث الضعيف من أثر أو قول صحابي أو إجماع أخذ بالضعيف وقدمه على القياس.

5)  القياس وهو آخر الأصول عنده يستعمله للضرورة إذا لم يجد نصاً في الكتاب ولا في السنة ولا فتوى صحابي ولا حديثاً مرسلاً أو ضعيفاً.

وكان أحمد في بعض أحيانه يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده أو لعدم إطلاعه على أثر في المسألة مع أنه كان كثير المعرفة جداً بأقوال الصحابة وبأحاديث النبي r، وكان لا يميل إلى الفقه التقديري فإذا سئل عن مسألة لم تقع لم يحب أن يجيب عليها.

تدوين مذهبه وفقهه:

لم يدون الإمام أحمد مذهبه، وكان يكره أن يكتب شيئا من آرائه وفتاويه، وكان همه في جمع السنة وتدوينها، إلا أن أصحابه جمعوا من أقواله وفتاويه الشيء الكثير ورتبوه على أبواب الفقه، ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال فصرف همته إلى جمع ما روي عن أحمد بن حنبل وصنفه في كتابه "الجامع" ومنهم المروزي أحمد بن محمد بن الحجاج، ثم جاء من بعد هؤلاء كثيرون صنفوا في فقه المذهب الحنبلي وجمعوا أقوال إمامهم وشرحوها، ومن هؤلاء أبو القاسم عمر بن أبي علي الحسين الخرقي ومن كتبه المشهورة "المختصر" المعروف باسم مختصر الخرقي وقد شرحه ابن قدامة المقدسي بكتابه المغني، ثم جاء من بعد هؤلاء إمامان كبيران ينتسبان إلى المذهب الحنبلي وهما ابن تيمية وابن القيم، فقد عرفا بانتسابهما إلى المذهب الحنبلي وأصوله وقواعده وإن كانا ينهجان النهج المستقل في الاستنباط ولا يقلدان أحمد بن حنبل ولا غيره، ثم بظهور محمد بن عبد الوهاب وبسبب نجاحه في دعوته صار المذهب الحنبلي هو المذهب الرسمي في بلاد نجد ثم لعموم الدولة السعودية حتى الوقت الحاضر، فهو منتشر فيها وفي الكويت وله أتباع في سورية والعراق وفي إمارات الخليج العربي.

تلاميذه:

1) صالح بن الإمام أحمد وهو أكبر أبناء الإمام توفي سنة 266هـ.

2) عبد الله بن الإمام أحمد اشتغل برواية الحديث عن أبيه توفي سنة 290هـ.

3) حرب الكرماني توفي سنة 280هـ.

4) أبوبكر المروزي توفي سنة 274هـ.

أهم كتب الحنابلة: ( الإقناع/ للحجاوي، منتهى الإرادات/ لابن النجار،كتاب كشاف القناع عن متن الإقناع/ لمنصور البهوتي، الإنصاف/ للمرداوي، عمدة الفقه/ للمقدسي، المغني/ لابن قدامة المقدسي ).

مصطلحات المذهب:

الإمام: إذا أطلق فهو الإمام أحمد بن حنبل.

الشيخ: عند المتأخرين فهو ابن قدامة وعند صاحب الإقناع هو ابن تيمية.

المعتمد عند المتأخرين: الإقناع ،المنتهى ، التنقيح.

القاضي: إذا أطلقت فالمراد بها القاضي أبو يعلى الفراء توفي 458هـ.

  الموضوع السادس:

دراسة مختصرة عن فروع الدراسات الفقهية: ( القواعد الأصولية، علم الخلاف، القواعد الفقهية، الفروق الفقهية، مقاصد الشريعة الإسلامية, النظريات الفقهية )؛ تشمل: التعريف بها، ونشأتها، وأبرز خصائصها، والمؤلفات فيها.

 

 القواعد الأصولية:

القاعدة الأصولية: هي حكم كلي تنبني عليه الفروع الفقهية، مصوغة صياغة عامة، ومجردة، ومحكمة.

الفرق بين القاعدة الأصولية والفقهية:

  1. من حيث المجال: فمجال القواعد الأصولية الأدلة والأحكام والدلالات ومقاصد الشريعة؛ أما مجال القواعد الفقهية فهو أفعال المكلفين سواءً كانت عبادات أو معاملات.
  2. القواعد الأصولية موصلة للقواعد الفقهية والعكس ليس صحيحاً فالقواعد الفقهية ثمرة للقواعد الأصولية أي أن القواعد الأصولية تبنى عليها أحكام فقهية بينما القواعد الفقهية لا تبنى عليها الأحكام الفقهية.
  3. القاعدة الأصولية هي: حكم كلي يستند إليه في استنباط الأحكام الشرعية مصوغ صياغة عامة ومجردة ومحكمة، فمجالها الدليل الكلي بينما القاعدة الفقهية هي: حكم كلي مستند إلى دليل شرعي مصوغ صياغة تجريدية محكمة منطبق على جزئياته على سبيل الاطراد أو الأغلبية فمجالها الدليل الجزئي وما يدل عليه من حكم جزئي.
  4. غرض المجتهد من استخدام القاعدة الأصولية عدم الوقوع في الخطأ أثناء استنباط الحكم الشرعي، بينما يهدف المجتهد من القاعدة الفقهية إلى جمع الأحكام المتشابهة بأن تؤول إلى قياس واحد يجمعها أو إلى ضابط يربطها.

طريقة استنباط القواعد الأصولية:

     إن الاستقراء اللغوي والشرعي والعقلي هو سبيل تحصيل القواعد الأصولية، فأما البحث والاستقراء اللغوي فقد استعمله الأصوليون بغية فهم الأدلة الشرعية لا سيما الكتاب والسنة، كما أن البحث الشرعي فمجاله الأدلة الشرعية أو القواعد الشرعية الكلية التي تتضمن الأدلة التفصيلية على الأحكام الشرعية الفرعية، وأما الاستدلال العقلي فقد ظهر بعد التوسع في البلاد الإسلامية وقد كان هذا الاستدلال مقيداً بأحكام وقواعد تحكمه.

أهمية القواعد الأصولية:

     تنبع أهمية القواعد الأصولية من أهمية علم أصول الفقه بالنسبة للعلوم الأخرى فعلم الأصول هو المنهاج العام لفهم الإسلام ويمكن التوصل لبعض تلك المظاهر:

-  تمكن القواعد الأصولية المجتهد من الرد على أي شبه تُعرض عليه.

- التوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية.

- القواعد الأصولية ميزان عدل توزن به الأمور لأنها قواعد مؤسسة على الحق والدليل مربوطة بأدلة علمية من المعقول.

- التعرف على مدارك المجتهدين في فتاواهم وآرائهم.

- تمكين المجتهد من الوصول إلى استنباط الأحكام.

علم الخلاف:

     تعريف علم الخلاف: هو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية.

وفي حقيقة الحال فإن علم الخلاف ما هو إلا علم متولد من علم المنطق والجدل وعلم الفقه، فهو يأخذ من المنطق مبادئه وقواعده وكلياته وقطعياته، ثم ينطلق بها ليستخدمها في الفقه ومسائله، وبيان قواعد الأئمة وأصول اجتهاداتهم، ودفع الشكوك والشبه التي ترد على مذاهبهم.         

 أسباب اختلاف الفقهاء: 

     وإذا تساءلنا عن أسباب اختلاف الفقهاء... وهل يعقل أن يختلفوا في الحكم الشرعي مع أن الكتاب والسنة أصلان لهما فلنا أن نبحث عن أسباب الخلاف حتى نجد الجواب الشافي.     

أهم أسباب الاختلاف بين الفقهاء، هي كما يلي: 

1- الاختلاف في الأمور الجبلّية: إذ أن الأئمة والعلماء يتفاوتون في ملكاتهم وطبائعم وعقولهم، وهذا أمر طبعي ينتج عنه في بعض الأحايين اختلاف الأحكام المستنبطة من الأدلة الشرعية.   

2- الاختلاف في اللغة العربية: وهي لغة القرآن ولغة الحديث النبوي الشريف، ولا شك أن علماء اللغة أنفسهم يختلفون في وضع الألفاظ ودلالتها، والأسلوب والصيغ، والمشترك والمترادف، والحقيقة والمجاز، وهذا ما انتقل بدوره إلى علماء الفقه، وأدى بالتالي إلى اختلاف الأحكام.   

3- اختلاف البيئات والعصور والمصالح: لاشك في أن لذلك أثراً  كبيراً في أحكام الشريعة، التي جاءت في الأصل مراعية لمصالح الناس، ومتناسقة مع بيئاتهم وأزمانهم، في فرعياتها بشكل خاص، وفيما يتعلق بالمصالح الدنيوية على وجه أخص، وهذا كله من فضل الله وسماحة الدين.     

4- الاختلاف في فهم المراد من النص الظني: إذ أن المعنى ربما كان خافياً أو محتملاً للتأويل.

5- الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع. وذلك عند عدم وجود النص القاطع من الكتاب أو السنة  

6- الاختلاف في بعض فروع علم الحديث، وذلك كالاختلاف حول تضعيف حديث أو تقويته أو وضع شروط لقبول مراسيل التابعين أو خبر الآحاد ونحو ذلك.

7- الاختلاف في القواعد والمبادئ الأصولية، وهذا وارد حيث إن تلك القواعد من وضع العلماء، ولهم فيها اجتهادات علميه وأسباب موضوعية، ينتج عنها تعدد آرائهم فيها، مما يستدعي اختلاف النتائج المبنية عليها.

علم القواعد الفقهية:

تعريف القواعد الفقهية: القاعدة: لغة: أساس الشيء وما يبنى عليه، واصطلاحاً: هي قضية كلية فقهية منطبقة على فروع من أبواب.

الضابط الفقهي: هي كل قضية كلية فقهية منطبقة على فروع من باب واحد، ومثاله: ما لا يمكن الاحتراز منه معفي عن الطهارة.

الخمس القواعد الكبرى:

  1. الأمور بمقاصدها.
  2. اليقين لا يزول بالشك.
  3. المشقة تجلب التيسير.
  4. لا ضرر ولا ضرار.
  5. العادة محكمة.

تستمد القواعد الفقهية من الآتي:

  • الكتاب والسنة:
  • وقد تأتي بنص الآية أو السنة مثل قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
  • وقد تكون مستمدة من آية أو حدث مثل قاعدة "الميسور لا يسقط بالمعسور" مستمدة من حديث "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ".
  • قد تكون مستمدة من أكثر من آية أو أكثر من حديث.
  • الإجماع: مثل قاعدة "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد".
  • أقوال الصحابة: مثل "مقاطع الحقوق عند الشروط" وهي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  • أقوال التابعين: مثل "كل فرقة كانت من قبل الرجل فهي طلاق" وقد أوردها إبراهيم النخعي.
  • أقوال الأئمة المجتهدين: مثل "لا ينسب إلى ساكت قول" وقد أوردها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
  • الاستقراء: التتبع.

حجية القواعد الفقهية:

  • إذا كانت القاعدة مستمدة من الكتاب أو السنة أو مستمدة مما يدل عليه نص منها فهي حجة.
  • إذا كانت ثابتة باجتهاد الفقيه أو الصحابي فإنها تعرض على الكتاب والسنة ،وهي على ثلاث أحوال:
  • إذا كانت موافقة للكتاب والسنة فهي حجة.
  • إذا عارضت الكتاب والسنة فهي ليست حجة.
  • إن لم توافق ولم تخالف فيستأنس بها.

فوائد علم القواعد الفقهية:

  • ضبط فروع متعددة من أبواب مختلفة تحت قاعدة واحدة.
  • تسهيل حفظها للدارس في علم الفقه.
  • جمع المسائل المتشابهة تحت قاعدة واحدة.
  • فهم مقاصد التشريع.
  • تيسير القراءة في هذا العلم لغير المتخصص في الشريعة.

نشأة علم القواعد الفقهية:

     أول من أنشأه هو أبو طاهر الدباس الحنفي وهو حنفي وأتى بعده أبو الحسين الكرخي. ثم تتابع العلماء على هذا العلم بعد ذلك.

أهم الكتب في القواعد الفقهية:

  • مذهب الحنفية: أصول الكرخي لأبي حسين الكرخي، تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي.
  • مذهب المالكية: القواعد لأبي عبدالله المقري.
  • مذهب الشافعية: الأشباه والنظائر لجلال الدين السيوطي، قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبدالسلام.
  • مذهب الحنابلة: القواعد النورانية لابن تيمية، تحرير القواعد وتقرير الفوائد المشهور بالقواعد لابن رجب.

علم الفروق الفقهية:

     تعريفه: علم الفروق من العلوم الشرعية، وبالأخص من علوم الفقه الإسلامي، ويطلق على هذا العلم اسم "الفروق الفقهية" وقد يطلق عليه "الجمع والفرق" والفروق لغة: جمع فرق، ومرجعه إلى الفصل بين الشيئين، والمراد به هنا: وجه الاختلاف بين المسائل المتشابهة في الصورة.

     وعلم الفروق الفقهية هو: (علم يبحث في المسائل الفقهية المتشابهة صورة المختلفة حكماً لعللٍ أوجبت ذلك الاختلاف).

ثمرة علم الفروق الفقهية:

     علم الفروق من أهم العلوم وأدقها، حتى قال الطوفي: (فإن الفرق من عُمَدِ الفقه... حتى قال قومٌ: إنما الفقه معرفة الجمع والفرق) من أجل ذلك كانت له ثمرات كثيرة أبرزها:

  1. دحض شبه المعترضين على الشريعة بأنها تفرق بين المتماثلات.
  2. معرفة علل وحِكَم الأحكام الشرعية.
  3. تنبيه المتعلم إلى عدم التسرع في الحكم على المسائل بمجرد النظر إلى صورتها وشبهها الظاهري بمسألة أخرى.
  4. القدرة على التمييز بين القياس الصحيح، والقياس مع الفارق المؤثر.

نشأته: (الفقه الإسلامي كغيره من العلوم ظهرت الفروق فيه منذ نشأته) ويتمثل ذلك مرحلتين:

أولاً: الفروق الفقهية قبل تميّزها في مصنفات مستقلة:

  1. الفروق في نصوص الوحيين: مثل  ]وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [، وحديث: (يُغسل من بول الجارية, ويُنضح من بول الغلام).
  2. الفروق عند الصحابة: وأوضح مثال عليه ما ورد عن عمر t في كتابه لأبي موسى الأشعري: (اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى...) قال السيوطي: ( وفي قوله "فاعمد..." إشارة إلى أن من النظائر ما يخالف نظائره في الحكم لمدرك خاص به وهو الفن المسمى بالفروق).
  3. الفروق عند الفقهاء الأوائل: ويتمثل ذلك في تنبيههم في ثنايا المصنفات الفقهية على المسائل المتشابهة، والتفريق بينها في الحكم، ولعلَّ أقدم المصنفات التي ظهر ذلك فيها ذلك بجلاء: "الجامع الكبير" لمحمد بن الحسن الشيباني.

ثانياً: الفروق الفقهية بعد تميزها في مصنفات مستقلة:

     بدأ التدوين في علم الفروق استقلالاً في مطلع القرن الرابع الهجري ومن أوائل من نُسبَ له كتاب في الفروق الفقهية ابن سريج الشافعي (ت: 306هـ) والإمام الكرابيسي (ت: 322هـ) ثم نشطت حركة التأليف في الفروق في سائر المذاهب، وهاك سرد أهم كتب الفروق في المذاهب الأربعة:

-مذهب الحنفية:  الفروق للكرابيسي الكبير.

-مذهب المالكية: النكت والفروق للصقلي. عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق للونشريسي.

-مذهب الشافعية: الفروق لأبي محمد الجويني.  الأشباه والنظائر للسيوطي.

-مذهب الحنابلة: الفروق للسامري.

مقاصد الشريعة الإسلامية:

تعريف المقاصد:

أ- التعريف اللغوي: القصد والمقصد مشتقان من الفعل (قصد).

والقصد: استقامة الطريق، والاعتماد، والأَمُّ، والعدل، والتوسط، وإتيان الشيء. والمقاصد جمع مقصد.

ب- التعريف الاصطلاحي:

عرفها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بقوله: (مقاصد التشريع العامة هي: المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها).

وقيل: (الغاية منها، والأسرار التي رمى إليها الشارع الحكيم عند تقريره كل حكم من أحكامها).

أهمية العلم بالمقاصد:-

     ترجع أهمية مقاصد الشريعة إلى اعتبارات مهمة جعلت علماء الشريعة يولونها عنايتهم، ويوجهون إليها اهتمامهم بالبحث والدراسة وسبب هذا الاهتمام يكمن في:-

1- تجاوب المقاصد مع الخصائص العامة التي تتميز بها الشريعة الإسلامية من حيث كونها شريعة ربانية عالمية متوازنة واقعية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان.

2- إدراك علماء الشريعة الإسلامية أن نصوصها وأحكامها معقولة المعنى، ومبنية على النظر والاستدلال.

3- إن التماس مقاصد الشريعة وأهدافها ينسجم مع الفطرة وهو أساس مهم بُني عليه هذا الدين. والمقصود بالفطرة تلك الجِبِلّة التي خلق الله تعالى الإنسان عليها بوصفه إنساناً..

أشهر مقاصد الشريعة:

1- العدالة: التي هي ميزة الشريعة وهي شعارها الذي يعلن عن حقيقتها وجوهرها بقوله تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).

2-المصلحة: وهي تلك التي تتفق مع مقاصد الشريعة أو تتنافى معها، وعلى رأس هذه المقاصد: الضروريات الخمس للحياة البشرية: حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل، ثم ضمان ما سواها من الأمور التي تحتاج إليها الحياة الصالحة مما هو دون تلك الضروريات في أهميتها.

3-اليسر ورفع الحرج: من أعظم مقاصد الشريعة: اليسر، والتيسير على الناس، ورفع الآصار والأغلال عنهم. وهذا من حِكم بعثته عليه الصلاة والسلام قال تعالى: ﭽوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَﭼ  

     وفي القرآن الكريم كما سيأتي دلائل واضحة على أن هذا المقصد واحد من أهم مقاصد الشريعة، إلا أنه ليس معنى كون اليسر من مقاصد الشريعة أن تجري الأمور كلها على التيسير، وأن يعامل كل الناس في كل الظروف والأحوال باليسر، وإنما المقصود تطبيق التيسير حيث تتوفر شروطه، فالتيسير مقصد شرعي عام، لكنه كغيره من المبادئ، لا بد له من توفر شروط لتطبيقه.

     وقد أشار الشاطبي إلى أن اليسر في الإسلام لا يعني خلو التكاليف من المشقة، إذ أن هذا يتنافى مع المقصود من التكاليف، الذي منه الابتلاء والاختبار.

علم تخريج الفروع على الأصول

     "فإن علم أصول الفقه لما كان في علم الشريعة كواسطة النظام متوسطا بين رتبتي الفروع وعلم الكلام , وهو علم عظم شأنه وقدره , وعلى في العالم شرفه وفخره , إذ ثمرته ما تضمنته الشريعة المطهرة من الأحكام , وبه تحكم الأئمة الفضلاء مباحثهم غاية الإحكام" ( مقدمة القواعد , لابن اللحام).

     ذلك العلم الذي يعنى بإبراز الثمرات الفقهية المترتبة على القواعد الأصولية , وهو الجانب التطبيقي لعلم أصول الفقه , إنه العلم المسمى تخريج الفروع على الأصول.

تعريفه:

     التخريج هو النفاذ من الشيء والظهور ، وهو يعني عند الفقهاء والأصوليين : الاستنباط ، ويعني تخريج الفروع على الأصول , و باعتباره علماً معيناً : " هو العلم الذي يبين القواعد الأصولية التي بنو عليها الأئمة أو أحدهم الأحكام الشرعية التي أفتوا بها في الفروع , مع ربط هذه الفروع بقواعدها , أو إلحاق غيرها مما لم يفت فيه الأمة بهذه القواعد ".   علاقته بأصول الفقه

     أصول الفقه هو " العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية " لذلك فإن علاقة التخريج تتلخص بأنه الثمرة المرجوة والغاية المقصودة، فالتخريج فرع من فروع أصول الفقه وهو يستمد من الأصول مادته الأساسية، ثم من الفقه، ولذلك فهو يحقق الفائدة من أصول الفقه ويكسب الفقيه ملكة الاستنباط ويعصمه من الوقوع في الخطأ.

استنباط أحكام الوقائع التي لم يرد عن الأئمة فيها نص

      من أهم فوائد التعرف على أصول الأئمة استنباط أحكام الوقائع التي لم يرد عن الأئمة بشأنها نص وفق تلك الأصول والقواعد التي استنبطوها مما أثر عنهم فيها نص ، وهذا هو التخريج أو استنباط مذهب الأئمة في نوازل لم ينصوا عليها لكنها موافقة لقاعدة من قواعدهم الأصولية ,  ولأنه ما من نازلة إلا ولله فيها حكم في كتابة أو في سنة نبيه إما نصاً أو استنباطاً (اجتهاداً) ، حيث يقول الشافعي " فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهُدى فيها "، لذلك كان على المجتهدين أن يجدوا حكم الله في النوازل فاتبعوا بذلك طريقتين:

1- إما استنباط حكمها من الأدلة الشرعية التفصيلية وفق قواعد الإمام الأصولية .  (تخريج الفروع على الأصول) .

2- وإما إلحاقها بما يشبهها مما نص عليه الإمام (تخريج الفروع على الفروع) .

 من أهم كتب التخريج

أصول الشاشي : للإمام أبي علي الشاشي, مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول: للإمام التلمساني, تخريج الفروع على الأصول: للإمام الزنجاني, التمهيد في تخريج الفروع على الأصول: للإمام الاسنوي , القواعد: للإمام ابن اللحام.     

 فائدة وأهمية علم تخريج الفروع على الأصول

1. التعرف على مأخذ ما نص عليه العلماء وأصلوه , وبالتالي يطمئن إلى فقهم ويوثق به.

2. يتنبه به على استخراج أحكام ما لم ينصوا عليه , فهذا العلم ينمي الملكة الفقهية , ويدرب المتعلم على الاستنباط والترجيح , وتفريع المسائل وبنائها على الأدلة.

3. هذا العلم يخرج علم أصول الفقه من جانبه النظري إلى مجال التطبيق العملي , فتظهر الثمرات المترتبة على القواعد الأصولية ، وعلى ذلك فإنه يعطى علم الأصول مزيدًا من الوضوح .

4. هذا العلم بإخراجه الأصول من الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي يحقق الربط بين الفقه وأصوله.

5. في التخريج الذي يقارن بين المذاهب ويبين أساس الاختلاف بين الأئمة ، يكشف هذا العلم عن الاختلافات الواقعة الفقهاء فيما استنبطوه من أحكام ليست وليدة الهوى أو تحكيم العقل المجرد.

النظريات الفقهية:

     إن النظرية الفقهية ليست قاعدة ولا مفهوما بل هي إعادة لتصنيف الفقه الإسلامي على نحو مشاكل للقانون بمعنى أنها لفظة مستوردة , ومن هنا نجد بعض علماء الفقه لا يرون سلوك هذا المسلك في التنظير للفقه , لما في ذلك من موازنة ومقارنة بين الفقه الإسلامي الذي مرجعه الشرع , والفقه القانوني الذي مرجعه القانون.

     ومن العلماء من يرى أن النظرية الفقهية موجودة في التراث الفقهي , ولكن لم تبرز بالشكل الذي هو موجود الآن , وما كتبه الإمام ابن القيم يصلح أن يكون نظرية , وما كتبه الإمام العز بن عبد السلام عن "الإحسان في الفقه الإسلامي" يصلح أن يكون نظرية , والكثير من الرسائل الجامعية في الفقه الإسلامي تصلح أن تكون نظريات , النظرية مفهومها واسع وموجودة في الفقه الإسلامي ولكن لم تبرز.

 تعريف النظرية الفقهية:

     عرفت بأنها "يقصد بالتنظير الفقهي أن تصاغ أحكام الفقه الجزئية وفروعه المتفرقة ومسائله المنثورة في أبوابها المختلفة في صور نظريات كلية تصبح هي الأصول الجامعة التي تنبثق منها فروعها , وتتشعب جزئياتها المتعددة , وتطبيقاتها المتنوعة على غرار النظريات المعروفة في القوانين الوضعية مثل : نظرية الالتزام , ونظرية الاهلية"

     وقيل: مدلول عام يؤلف نظاماً موضوعياً في المسائل الشرعية الفرعية تندرج تحته جزئيات منبثة في أبوابها                                     

     وقد يظن من التعريفات السابقة أن النظرية بمعنى القاعدة الفقهية وذلك بسبب عدم الالتزام بما تقتضيه الأصول المنطقية للتعريفات.

     والقول أنهما بمعنى واحد هو رأي بعض الفقهاء المعاصرين لكن بينهما فرق وهي مختلفة عنها ولكن لا يعني هذا التنافر بينهما, فالفرق بين النظرية الفقهية والقاعدة الفقهية يمكن أن يظهر بالموزانة والتأمل , كما يلي :

1. القاعدة الفقهية تتضمن حكماً فقهياً في ذاتها ، وهذا الحكم الذي تتضمنه القاعدة ينتقل إلى الفروع المندرجة تحتها ،

2. أن النظريات أوسع نطاقاً من القواعد الفقهية, ومن الممكن أن تدخل القواعد في إطار النظريات وتخدمها

وقد تكون القاعدة أعم من النظرية من جهة أخرى , لأن القاعدة لا تتقيد بموضوع ولا باب معين , فالنظرية حين يكون موضوعها العقد مثلا , فلا يدخل فيها ما يتعلق بالعبادات أو غير ذلك مما لا صلة له بالنظرية

3. النظرية الفقهية تتضمن في الغالب المقومات الأساسية من أركان وشروط وضوابط , وهذا ما لا تتضمنه كثير من القواعد الفقهية .

4. النظرية الفقهية تصاغ على شكل بحث أو كتاب مطول . في حين أن القاعدة الفقهية تصاغ بعبارة موجزة دقيقة .

 فائدة علم النظريات الفقهية:

     من فوائد النظرية الفقهية أنها تسهل لغير المختصين بالفقه النظر في مسائل الفقه مجموعة في عقد واحد مثل نظرية الضمان ونظرية الأجور ونظرية الضرورة , ونظرية فسخ العقود وغيرها , فغير المختص لا يعلم مواطن هذه المسائل في كتب الفقه المذهبي لأنها قد تذكر المسألة في غير موضعها , فكانت هذه النظريات من باب التقريب و التسهيل لطالب العلم.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Pages